الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي
244
شرح ديوان ابن الفارض
( ن ) : يعني كم من دماء رجال ادّعوا النظر إلى هذه المحبوبة فهدرت دماؤهم بحكم شريعتها إنكارا عليهم من علماء الرسوم مع الخلاف في جواز ذلك عندهم والمعتمد جوازه في الدنيا والآخرة . اه . وقد كنت أدعى قبل حبّيك باسلا فعدت به مستبسلا بعد منعتي [ الاعراب ] الباسل : الأسد أو الشجاع الغضبان . والمستبسل : هو الذي وطّن نفسه للموت . والمنعة : ما يمنع الرجل من عشيرته وأصحابه . وأدعى بالبناء للمجهول بمعنى أسمّى وهو يتعدّى إلى مفعولين ، الأول نائب الفاعل وهو ضمير المتكلم ، وباسلا مفعوله الثاني . وقبل حبّيك : متعلق بأدعى ، والياء في حبّيك فاعل المصدر ، والكاف مفعوله . وجملة أدعى قبل حبّيك باسلا : خبر كنت . وعدت بمعنى صرت يرفع الاسم وينصب الخبر . ومستبسلا خبرها ، والتاء اسمها . وبه : متعلق بعدت أو بالخبر . وبعد منعتي متعلق بعدت . والمعنى : كنت بالتحقيق قبل محبتي إياك مسمّى بالأسد لشجاعتي فصرت بسبب حبّيك مستسلما للموت بعد امتناعي وحفض « 1 » جانبي . وما أحسن قوله رضي اللّه عنه في الذاليّة : قد كان قبل يعدّ من قتلى رشا * أسدا لآساد الشّرى بذاذا وهذه عادته رضي اللّه عنه يكرّر المعنى في ألفاظ مختلفة في وضوح الدلالة ويلبسه الخلع الفاخرة من ألفاظه الباهرة . وهذا لعمري هو البيان الصريح والبديع الصحيح في اللفظ الفصيح . أقاد أسيرا واصطباري مهاجري وأنجد أنصاري أسى بعد لهفتي [ الاعراب ] وهذا البيت يقرّر أمر استبساله في البيت السابق بألطف عبارة وأكمل إشارة ، ولعمري إن هذا هو السحر الحلال الذي يعزّ على مدارك الآمال . « أقاد » : فعل مضارع مجهول ، أي أسحب وأجرّ حال كوني أسيرا . وحال كون اصطباري مهاجري : مقاطعي تاركي لا يألف مراتع قلبي . و « أنجد » : فعل تفضيل من النجدة وهي الإعانة . والأنصار جمع ناصر ، بمعنى معين . والأسى : الحزن . واللهفة واحدة اللهفات ، وهي بمعنى الحزن أيضا . وأنجد : مرفوع مبتدأ ، وفي هذا الكلام من تأكيد فقد أنصاره ما لا مزيد عليه .
--> ( 1 ) قوله وخفض بصيغة الفعل معطوف على صرت .